يتربع "الملك لير" على قمة عروض المسرح القومي منذ أكثر من عشرين عاما بأداء الفنان الكبير يحيى الفخراني ،وهو الطبيب الذي جاء الى الفن وهو لا يملك الرشاقة ولا الشباب لكنه يملك الاحساس القوي القادر على التأثير في المشاهد ، ومسرحية الملك لير من أصعب أعمال رجل المسرح الانجليزي وليم شكسبير1564 – 1616 لأنها قصة غير واقعية تحكي عن الملك الذي قرر تقسيم مملكته على بناته قبل أن يموت وكأنها قطعة أرض زراعية وذلك في مقابل أن تعبر كل واحدة عن مدى حبها لوالدها .. ولأن النفاق سهل فأن الابنة الكبرى "جونريل" والوسطى "ريجان" مدحا الملك الأب كثيرا ولكن الأبنة الصغرى "كورديليا" قالت أنها تحبه مثل حب كل فتاة لوالدها.
ولأن الملك لير انسان ساذج وضعيف الشخصية فقد غضب كثيرا وطرد ابنته من المملكة ووافق على زواجها من ملك فرنسا حتى ترحل بعيدا عنه ولا يراها مرة أخرى وعاش ضيفا ثقيلا على ابنتيه وهو ماكان في غنى عنه .. وحتى يقدم شكسبير رسالته من خلال حكاية الملك لير استمرت الأحداث وتصاعدت ويخرج "لير" هائما على وجهة في ليلة عاصفة وشاهد بعينه الفقراء والمشردين والذين بلا مأوى كيف يعيشون في مملكته يعانون في تلك الليالي الباردة .. كما يعرف ما فعله أبناء صديقه "جلوستر" وهنا لا يريد شكسبير اتهام البنات فقط بالعقوق ولكن أبن جلوستر فعل بوالده ماهو أسوأ من ذلك.
قدم المخرج شادي سرور عملا متوازنا جميلا وأحترم نص شكسبير وترجمة د.فاطمة موسى وأقترب بالعرض من المشاهد العادي ، بالاضافة الى استعانته باستعراضات ضياء شفيق وكذلك الاستخدام الواضح للوحات "السينيراما" في الخلفية خاصة في الليلة الثلجية العاصفة وتأثيرها الحاسم على المشاهد.
الأداء التمثيلي من أبرز مزايا عرض “الملك لير” وعلى القمة كان يحيى الفخراني كما عرفناه بارعا وبسيطا وهو في سن الملك لير ولم نشعر لحظة أن الفخراني يبذل مجهودا فوق طاقته رغم حالته الصحية ، وتألق طارق الدسوقي في دور “جولستر” وهو من نجوم التليفزيون في عصره الذهبي لكن المسرح أعاد له اللياقة الفنية والثقة وقد أضاف بحضوره الكثير ، وجاء أداء أمل عبد الله في دور "جونريل" بمثابة مفاجأة العرض وهي فنانة تذكرك بابداع سميحة أيوب وهي تستحق أن تكون أيقونة جديدة للمسرح القومي العريق .. وأجادت ايمان رجائي في دور “ريجان” ولقاء علي في دور”كورديليا” وأيضا حسن يوسف وأحمد عتمان وتامر الكاشف وكل الشباب الواعد على خشبة المسرح القومي.
كتب وليم شكسبير مسرحية الملك لير قبل أربعة قرون في عصر غير العصر وزمان غير الزمن وبلاد غير بلادنا لكن القيم الانسانية التي يدعو اليها مازالت تعيش بيننا .. ورغم الصدمة التى اراد شكسبير احداثها للجمهور يالنهاية المأساوية .. قام بعض المخرجين بتغييرها لنهاية سعيدة لكنهم عادوا مرة أخرى الى النص الأصلي كما كتبه شكسبير وجعلوا النهاية تراجيدية مؤلمة لا تختلف عن نهايات هاملت وعطيل وماكبث.